الرأي

لماذا نستقبل الحياة بهذا الخمول؟!

بقلم: محمـد الغزالي
  • 59
  • 0

قلت لنفسي: ما سر هذا الفتور الشائع في الأفراد والجماعات!؟ ولماذا يستقبل الناس الحياة وبهم ازورار عن مواجهتها، وصدود عن مذاقها، كأن شهيتهم أوصدت دونها؟! ولماذا نرى الأجناس الأخرى تنطلق مع مطالع الشروق، وكأنها على أبواب رحلة ممتعة؟! فهي تدأب ولا تشعر بكلال، وتعمل، وتجد من الثمر الداني ما يغريها بالمزيد من الإنتاج!

إن هذه الجفوة بيننا وبين الحياة مخوفة العقبى، بل هي قد وقفت بنا في أوائل الطريق، على حين مضى الآخرون خفافا يكدحون ويجدون، حتى وصلوا إلى حظوظ من الرقى والإبداع تستثير الدهش! ما أروعها حياة أن تلتقي مع السماء والأرض التقاء المشوق مع موعد حب، أو التقاء الشجاع مع ساحة حرب! وما أسمجها حياة أن تتدحرج على أديم الغبراء كما يدلف السجين بين جدران احتبس وراءها، فهو لما حوله كاره، وعنه مصروف، لا وعي هنالك ولا اكتراث!

إن الدين ما يجد رجاله الحقيقيين إلا بين هؤلاء الأحياء بمشاعرهم وأفكارهم: ((إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد))، وإن التأخر والجمود والهوان لا تجد أوعية لها أفضل من تلك النفوس المغلقة، والحواس المعطلة، والمواهب المطموسة.. أجل، لنقلها صريحة، فإن أمتنا محتاجة إلى أن تجيد فن الحياة، وقبل أن تصل إلى درجة الإجادة المنشودة، لن يصلح بها دين، ولن تصلح لها دنيا..

التاجر يخرج إلى السوق وهو خامل مستكين! والفلاح يذهب إلى حقله وهو متثاقل مجهود! والعامل يعالج حرفته وهو ضائق منكمش! والموظف يجلس إلى مكتبه وهو مهدود مهزوم! والجميع لا ترتقب الدنيا منهم إنتاجا طائلا، ولا حركة معجبة! إن أجهزتهم النفسية متوقفة كالساعة الفارغة، فليس يسمع لها دق، ولا ترى بها حياة، ولا يثب فيها عقرب، ولا ينضبط بها وقت! هذا والله هو العجز الذي استعاذ رسولنا عليه الصلاة والسلام منه.. إن الطاقة البشرية في هذه النفوس لا تزال مادة غفلا، كأنها معادن مرمية في مناجمها لم تستخرجها يد! أو كأنها بعض قوى الكون المجهولة لما تكتشف بعد! هؤلاء الغرباء في عالم حجب عنهم أسراره، وشح عليهم ببركاته وقواه، هم -في نظري- أبناء الأدعياء الذين قال فهيم المتنبي:

أرانب غير أنهم ملوك * مفتحة عيونهم نيام

بأجسام يحر القتل فيـها * وما أسيافها إلا الطعام!

والأرانب قد تملك في أعصار الغفلة، ولكن الزمان ضدها، ولا بد أن يردها إلى مكانها! وعبيد أبدانهم قد يجدون طعامها يوما، ولكن حيواناتهم لا تلبث بهم طويلا حتى تحولهم إلى نوع من القطعان المسترقة.. فإذا الطعام في أيدي السادة وحدهم، ما يرمي إليهم إلا فضلات مذلة، ولو شاء السادة أن يمنعوه جاعوا.. من أجل ذلك نرى الأمم التي سقطت في غيبوبة الموت الأدبي، تعاني الجهل والفقر والمرض جميعا.. ونرى خصامها لمطالب الحياة الزكية قد جر عليها الهوان، وكساها لباس الجوع والخوف.. والمصلحون في بلادنا يقفون وجها لوجه أمام الطاقة الإنسانية التي لم تفجر.. أما الجماهير الكثيفة التي تعيش فوق بقاع فيحاء عامرة بالخيرات، يمكن أن تفيض بالغنى واليمن، ومع ذلك فإن هذه الجماهير لا تحسن الاستفادة مما بين يديها وما خلفها، لأن المخدر الذى تناولته سرى خدرا في كل أوصالها، فتحسبهم أيقاظا وهم رقود! (من كتاب “الإسلام والطاقات المعطلة”).

مقالات ذات صلة